• أمام ثورتنا .. أسئلة كبيرة .. لا تقف عند السلفيين وضرباتهم .. ومصير المسلمات الجدد .. وملاعيب الإخوان .. ومناورات الثورة المضادة .. وتوهان القوى السياسية .. ولخبطة أولى الأمر .. وأهم سؤال هو مصير هذا الوطن .. مصير مصر بعد 25 يناير الثورة
  • لست ضد النوايا الطيبة للشيخ حسان وتابعه الشيخ صفوت حجازى وجولاتهما المكوكية فى ربوع مصر لحل ما استعصى على الدولة وما صعب على الحكومة وما فشل فيه أولى الأمر، لكن الدولة دولة قانون
  • أعرف جيدا .. أننى حزين الأن .. لإقتران لقب "أبو العيش" بأمور فساد مالى وإدارى .. بعد أن كانت مثالا للإقتصاد الرحيم .. والتنمية التى لا تنقطع .. ونشر الثقافة .. والتوعية بقضايا البيئة .. والأعمال الخيرية .. وأتمنى من الله .. أن تزول تلك الغمة بظهور الحق وبيان الحقيقة التى لا يحتكرها أحد الان
  • وبين الأب الذى "لم يكن ينتوى" .. والإبن الذى "كان ينوى" .. كانت هناك شهورا قليلة فاصلة عن موعد الانتخابات الرئاسية نفسها .. ولكن أيا منهما لم يكن قد أعلن عن تلك النوايا وكأن مصر ستظل أسيرة نواياهما
  • بينما أولئك المُصنفون "فرز تانى وتالت ورابع" من لصوص ومنافقين.. يحاولون تبديل وجوههم وتغيير مبادئهم وسلخ جلودهم القديمة كالثعابين والأفاعى

السبت، 5 مايو 2007

إبراهيم أبو العيش .. رائد (اقتصاد المحبة)


حسن الزوّام

1

الرائد
الدكتور ابراهيم أبو العيش رجل حاز إعجاب العالم، فكرمه اكثر من مرة لكونه رائد من رواد ادارة الإنسان لتحقيق التنمية، فهو الحائز عام 2003 على جائزة نوبل البديلة أو جائزة "الحياة الحقة" فى تسمية أخرى، وهى جزء من جائزة نوبل ولها نفس المحكمين ونفس الشروط ونفس قيمة الجائزة، وتمنحها نفس الهيئة العلمية، بترشيح من هيئة علمية ألمانية، تقديرًا لجهوده في الدعوة إلى تطبيق ما أسماه بـ "اقتصاد المحبة" الذي يقوم على التكافل والتكاتف الاجتماعي، استنادًا إلى مبادئ الإسلام وبعيدًا عن الرأسمالية الاحتكارية، وهى الجائزة نفسها التى حصل عليها من قبل العالم العبقرى الراحل حسن فتحى عن مشروعاته الخاصة بعمارة الفقراء منذ أكثر من30 عاما، فى أعقاب فوزه بجائزة شواب العالمية التى يمنحها منتدى الاقتصاد الدولي (دافوس) فى مجال الابداع الاجتماعى.


2
الغربة والعالم

قضى ابراهيم أبو العيش 25 عاما خارج مصر بين النمسا والمانيا، بعد ان غادر الوطن وهو فى الثامنة عشرة من عمرى، وكانت أول زيارة لمصر بعد هذه الفترة عام 1975 مع اولاده، ليصدمه الواقع والحال لما رآه، ويقول "كنت احمد الله اننى لا أعيش فيها ولا علاقة لى بها الآن ولكن بعد عودتى الى ألمانيا وكنت أفكر كيف وصلت مصر لما هى عليه وكيف تصبح أفضل حالا وعدت الى مصر عام 77 لعمل نموذج التنمية الذى توصلت إليه، والذى من خلاله نعمل ونتعلم ونهتم بالفنون التى تفتح القلب والوعى، لذلك من أول يوم عملنا فيه كان هناك المسرح وهناك من يغنى أو يرسم، المهم أن يكون هناك مشاركة فى الإحساس بالجمال، لان الجمال هو الوجه الأخر للحق.
باختصار صنع الرجل القصير الرقيق النحيف صاحب الـ 67 عاما، "جنة على الأرض التى كانت يوما صحراء قاحلة"، لم يصنعها له وحده ولكن لكل الفلاحين فى القرى المجاورة، ولأكثر من 16 جنسية تعيش فى مجتمع أبو العيش، كلهم متساوون فى الحقوق والواجبات، قادمون من أوروبا وأفريقيا وأسيا.
بخلاف أمر أخر غريب وهو أن الحكومة الألمانية لشدة ثقتها فى المؤسسة وشخص القائم عليها، تقوم بإيفاد الشباب الألمان المجند فى الخدمة العامة لقضاء فترة خدمتهم فى قرية سيكم، وغالبا ما يكون عدد الراغبين من الشباب الألمانى الراغب فى قضاء خدمته بمصر أكثر من العدد المسموح، مما يسمح له باختيار الأفضل منهم والقادر على تقديم إضافة للمجتمع المصرى، وبشرط أن يحترم الثقافة المصرية والدين الاسلامى، وبعد التصفيات يقبل6 شباب سنويا ويرتفع الرقم الى 9 شباب بعد ضغوط الحكومة الألمانية !!

3
عالم من التفاصيل

يرى أبو العيش أنه يستخدم الجمال فى انتاجه، بقوله أن كل منتجاته فيها حق، وكل شئ خالى من الكذب وهذا هو الجمال الذى يعرفه، والذى يرفع وعى الناس ويفتح مداركهم من خلال الحياة فى جو صحى جميل، ويقول عن استخدام الهندسة الوراثية فى الزراعة، أن العلماء الذين قاموا بإضافة الكيماويات ألى التربة لكى يخرج نبات أفضل وقاموا بتوليد الطاقة من اليورانيوم والمواد المشعة، عرفوا بعد 100 سنة أنه لا يوجد كارثة أفظع من هذه الأهداف التى تبدو نبيلة، الهندسة الوراثية ستكون ضارة أكثر من المفاعلات النووية، التركيب الجينى للنبات لم يتم بالصدفة، تم بقدر الله ونحن نظن إننا نستطيع أن نحسن أو نخلق افضل مما خلق.. إنه كبرياء وغرور العلم الذى تظهر نتائجه بعد وقت طويل.
‍كل شئ فى مملكة أبو العيش له قصة وتفاصيل كلها مصحوبة بالإعجاب والابهار، حتى أبقار المزرعة، لقد أخذ يبحث عن تلك البقرة التى كان المصريون القدماء يعاملونها بكل تبجيل واحترام، حتى وجد هذه السلالة Brown cow فى اسبانيا وجاء بها من هناك ليقوم بتربيتها من جديد فى مزرعته!!
لا ترتفع أسوار الشركة أو القرية بالكامل عن 50 سم والمبانى كلها ذات طابع مختلف فهى فى قمة البساطة لا تعلو عن طابقين .. دهانات المبانى كلها من مواد حيوية غير كيماوية.. فى وسط القرية تجد مبنى واسع من دور واحد معزول بعض الشئ عن مبانى العمل، ذو طابق واحد وهو منزل الدكتور أبو العيش واحد جوانبه مكتبة زجاجية عملاقة تضم حوالى نصف مليون كتاب هى مكتبة الدكتور إبراهيم التى يقضى فيها عدة ساعات يوميا، وبجوار الدار البسيطة فى معمارها، مقبرة بيضاء هى المدفن الذى أعده صاحب هذه القرية لنفسه !!


4
الادارة
الإدارة من وجهة نظر أبو العيش هى أن يعيش كل إنسان فى مجتمع اقتصادي برؤية وهدف وخطة وان يكون هناك رقيب أو مدير يتلخص دوره فى تهيئة كل أسباب النجاح للعامل حتى ينتج، أما العقاب فى”سيكم”يبدأ من الحرمان من المزايا التى تدمجه فى هذا المجتمع وينتهى بالعقوبات الإدارية العادية.
وهو لا يرغب فى توسعة هذا النموذج من التنمية حتى لا يتحول الى ديناصور يسهل موته، ولكنه على استعداد لمساعدة اى مستثمر يرغب فى تكرار هذا النموذج الاقتصادى المجتمعى، كما فعل حين طلبت منه بعض الدول تكرار تجربته فى مصر على أراضيها، خاصة أنهم معروفين خارج مصر أكثر من داخلها بأنهم نموذج تنمية اقتصادي اجتماعى يقوم على الأخلاق والقيم.
ويرتكز فكر هذا الرجل على تحويل العمل المؤسسى الى مجتمع متكامل يعيش فيه أفراده خلال ساعات العمل وكأنهم فى المدينة الفاضلة التى رسمها الفلاسفة فى مخيلتهم، ويقول الدكتور أبو العيش أن فلسفة عمله مبنية على التنمية الإنسانية وتنمية وعى الإنسان عن طريق التعليم والتغذية والعمل وممارسة الفنون وغرس القيم الدينية لأنها مجتمعة هى التى تصنع تنمية لذلك حاولنا توفير هذه العناصر فى مجتمع سيكم، ولذلك فإن فلسفة إدارته لمجتمع العاملين قائمة على معرفته بالإنسان ككائن محترم لا يستحق إلا المعاملة كإنسان.

5
تنشئة الأجيال

في حضانة الاطفال لا يمسك الصغار فيها قلما حتى السابعة من عمرهم، فالتربية لها فلسفة مرحلية والسبع الأولى هو عالم الخير حيث تحيط الملائكة بالصغار وفقا لفلسفة الرجل، وعلى الطفل أن يصنع لعبته بنفسه، أيضا هناك برنامج للتربية الخاصة للمعاقين ذهنيا يتولى تأهيلهم علميا ومهنيا وأخلاقيا بالمجان وفصول لمحو أمية العاملين بالمجان، ومعهد للتأهيل المهنى وتعليم الكبار حرف فنية، وهو المعهد الذى يقوم بتصنيع كل أساس الشركة والسجاجيد التى يتم تصنيعها داخله من صوف أو كتان حيوى ويقوم بتصنيع الأصباغ والدهانات الطبيعية.
ويحتضن مجتمع سيكم الأطفال المتسربين من التعليم ممن يشكلون عنصر دخل مؤثر لأسرهم، من خلال إدارة مشروع "أطفال الكاموميل" الذى يتولى تشغيلهم فى أنشطة بسيطة باجر مناسب، بخلاف توفير التعليم المجانى لهم وتعليمهم الإسعافات الأولية وتأهيلهم اجتماعيا وأخلاقيا وفنيا ليكونوا أعضاء صالحين فى المجتمع، وهم ايضا يكونون فريق فنى خاص لتقديم العروض الموسيقية والفنية تقوم بعرض أعماله الغنائية للعاملين فى الاحتفال بالعيد السنوى للشركة فى شهر نوفمبر من كل عام والذى يتجمع خلاله كل العاملين بالشركة فى المسرح الرومانى بقرية سيكم لتكريم العامل المثالى والادارى المثالى وتكريم أصحاب الأعمال الفنية المتميزة من العاملين.


6
البداية

يقول الدكتور ابراهيم أبو العيش "أن نواة مشروعه الاجتماعى الاقتصادى بدأ من 30 سنة، ففى عام 1977 أسس إبراهيم أبو العيش مملكته على مساحة 70 فدان في صحراء بلبيس، وبدأت زراعة الأرض بأسلوب الزراعة الحيوية، وخلال أربعة سنوات وفى عام 1981 أرسلت أول شحنة من الخلاصات الدوائية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفى عام 1983 أسس الجمعية المصرية للتنمية الحضارية كمنظمة لا ربحية وغير حكومية، ثم بدأت أنشطتها بتدريب العاملين على الفنون، وكانت النتيجة توسع اقتصادى يزداد يوما بعد يوم.
وبينما يحتفل أبو العيش بعامه العاشر تأسست أول دار حضانة لسيكم ومعهد لتدريب وتعليم الكبار، تلاها بعامين انشاء مدرسة مدرسة مجانية لأهالى بفصول ابتدائية واعدادية.
يعرف أبو العيش كل العاملين معه بالاسم، ويقول أنه يحبهم وهم يحبونه مما يعطى شعور بأننا فى مجتمع حريص على بعضه البعض، وهناك ألفة بين عناصره، وهذا الاتصال المباشر بينى وبينهم يوميا فى الدائرة الصباحية يعمق شعورنا ببعضنا البعض أيضا.
للمؤسسة أيضا مركز طبى متكامل يعمل بها أطباء ألمان وسويسريين، ويخدم العاملين بالشركة والمزارعين بقرية سيكم وعمال المصانع وسكان القرى المجاورة، علاوة على مدرسة للتعليم الاساسى (ابتدائى واعدادى وثانوى) لأبناء العاملين لمن يرغب ولأبناء القرية والقرى المجاورة، فيها يتعلمون الإنجليزية والألمانية والموسيقى الكلاسيك والصلاة فى وقتها، وزراعة القمح، والاحتفال بسنابله الذهبية عند الحصاد.

7
نموذج حياة

يعد النموذج الحياتى الذى قدمه أبو العيش فى ادارته لمجموعة شركات "سيكم" فى مصر، هو محور التكريم والإحترام، فهناك ستجد مبنى الإدارة يجاوره مبنى للمسرح تابع للشركة، نجوم هذا المسرح هم العاملين فى الشركة ومصانعها المختلفة، حيث عاملة النظافة فى مبنى الإدارة تقوم بدور المخرج لعرض أشهر الروايات العالمية وعامل فنى الكهرباء بالمصنع هو بطل العرض، مع باقى نجوم العرض - المخصص ليشاهده العاملين فى الشركة - من العمال والاداريين، ويرى أبو العيش ان المردود الاقتصادى للمسرح سيظهر بالتأكيد ولكن بعد 200 سنة، لأنه لا شئ فى التنمية اسمه مردود مباشر وسريع، وأن الاقتصاد تحديدا لا يعرف تلك الردود السريعة، فما يسميه البعض اقتصاد بغية الحصول على فوائد سريعة ومباشرة لا يسمى اقتصاد من وجهة نظره بل تهريج وضرب ودع.
والى جانب المسرح قامت مؤسسة أبو العيش بإنشاء أكاديمية للفنون وفريق كورال تابع لها مكون بأكمله من العاملين، ومخصص يوم الخميس من كل أسبوع لتقديم عروضها للعاملين كنوع من أنواع الترويح، بخلاف حفلات أسبوعية يتم خلالها استقدام فرق موسيقية من "الأوبرا" للغرض نفسه، بالإضافة الى مسابقات للعاملين الموهوبين فى الرسم لتقديم أعمال فنية تراها تزين مبانى الإدارة.. ومكتب أبو العيش نفسه، كما أنشأت الشركة أكاديمية للعلوم والفنون التطبيقية لتثقيف العاملين وتدريبهم على الابتكار بشكل علمى عن طريق خبراء متخصصين من الخارج.
وفى تلك المؤسسة التى يروق لزوارها من المصريين والأجانب تسميتها بالجمهورية الفاضلة كما من الأجانب تسميتها، يلتئم مجتمع العمل، فى طابور الصباح لكل الإداريين والعاملين بما فيهم مجلس الإدارة والذى يتخذ شكل دوائر لكل إدارة يتوسطها المسئول عنها والتى تقوم يوميا بترديد "قسم الشركة الخاص" وهو (التعجب فى الجمال والمحافظة على الحق واحترام النبل وتقرير الخير يقود الإنسان فى حياته الى أهداف ويجعل فى إرادته طيبة القلب وفى إحساسه حب الناس وفى تفكيره نور الحق ويعلمه الثقة فى مشيئة الله فى أنحاء الكون وفى أعماق النفس)، ثم تنفك الدائرة وخلال دقائق معدودة يسأل كل مسئول العاملين معه فى الدائرة عن خططه لليوم وما فعل بالأمس بشكل سريع ويعرف من من العاملين لديه مشكلة ليقوم بحلها فى الدقائق التالية.
اختار أبو العيش الشكل الدائرى لطابور الصباح لكونه أكثر احتراما بحيث يرى كل الموجودين بعضهم وليس فى طابور لا يرى فى الفرد إلا ظهر الذى أمامه، كما يشاركهم الوقوف فى الدائرة بجوار اى عامل أو إدارى ليشعر كل عامل بإنسانيته فى هذا المجتمع الذى يضم كافة الأديان والجنسيات والثقافات وانه مفيد ومؤثر مثل غيره فى هذا العمل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
خد عندك © 2010 | تعريب وتطوير : سما بلوجر | Designed by Blogger Hacks | Blogger Template by ColorizeTemplates